- 9 أغسطس
- 4 دقيقة قراءة
الفصل الثاني
الأنصار الذين لا نظير لهم
الفصل الثاني
الأنصار الذين لا نظير لهم
السلام على أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)!
أولئك الذين كانوا تجسيدًا حقيقيًا للإخلاص لإمام زمانهم، وكان شعارهم في المعركة يتلخص في إعلان واحد:
وَاللَّهِ لَا نُفَارِقُكَ
والله، لن نفارقك أبدًا.
كلما ذُكر الحب في هذا الوجود، كان أول اسم يخطر على القلب هو اسم الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
ولذلك، فإن أجمل تعبير عن الحب في الوجود كله هو ذلك النداء الخالد:
«لبّيك يا سيدي ومولاي»
إجابةً لنداء:
«هَلْ مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُنِي؟»
هل من ناصر ينصرني؟
كان أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) أولئك الذين أصبحوا من أهل السر في الحرم الحسيني، وبقوا إلى الأبد في حضرة محبوبهم.
وصوت محبتهم، وإعلان ولائهم، واستعدادهم للتضحية بأرواحهم في سبيل إمام زمانهم، بقي صداه خالدًا تحت قبة السماء.
وكأن هذه الأبيات لحافظ هي تصوير شعري لما ورد في زيارة الناحية المقدسة بشأن شهداء كربلاء:
من أصبح من أهل سر القلب، بقي في حرم الحبيب؛
ومن لم يدرك هذا السر، بقي تائهًا في الإنكار.
ما وجدت شيئًا أجمل من صوت الحب،
ذكرًا خالدًا تحت هذه القبة الدوّارة.
مسلم بن عوسجة
بعد شباب بني هاشم، كان مسلم بن عوسجة أول أصحاب كربلاء الذين نالوا شرف الشهادة.
في ليلة عاشوراء، قام ليجدد عهده وبيعته لإمامه وقال:
«والله، لا أترك هذه الأرض حتى أكسر رمحي في صدور الأعداء، وأضربهم بسيفي ما دام قائمه في يدي.
فإن سقط سيفي من يدي، قاتلت هؤلاء القساة بالحجارة.
لن أتركك أبدًا.
وسأبقى حولك كالفراشة التي تدور حول النور، حتى أموت معك وبين يديك.»
ومن أعجب مشاهد التاريخ أنه عندما لم يبقَ من حياته إلا أنفاس قليلة، وجاء إليه صديقه القديم حبيب بن مظاهر، رفع مسلم يديه نحو الإمام، ثم أوصى حبيبًا بوصية واحدة فقط:
أُوصِيكَ بِهَذَا، فَقَاتِلْ دُونَهُ حَتَّى تَمُوتَ
«أوصيك بهذا السيد وحده.
لا تفارق جانبه أبدًا.
وقاتل دونه حتى تقدم روحك في سبيله.»
ثم ارتقت روحه الطاهرة إلى أعلى عليين.
سعد بن عبد الله
كان سعد بن عبد الله شهيد صلاة الظهر يوم عاشوراء.
وكان من أوائل الذين أعلنوا لإمامهم:
«يا ابن رسول الله (ص)!
والله، لن نتوقف عن نصرتك حتى يعلم رب العالمين أننا حفظنا حق رسول الله في غيابه، وحفظنا حق أهل بيته.
والله، لو قُتلت ثم أُحييت، ثم أُحرقت وصرت رمادًا، وذُرّ رمادي في الهواء سبعين مرة، لما تركت نصرتك.
وكيف أمتنع عن القتال، والموت لا يوصلني إلا إلى العزة الأبدية؟»
وعند ظهر عاشوراء، بينما كان الإمام الحسين (عليه السلام) يؤدي صلاة الظهر، وقف سعد يحمي جسد الإمام المبارك من كل جانب، وجعل من نفسه درعًا أمام سهام الأعداء حتى انتهت الصلاة.
وعند ذلك كان صدره قد أصيب بثلاثة عشر سهمًا.
فجمع آخر ما بقي له من القوة، والتفت إلى الإمام وسأله:
يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَوَفَيْتُ؟
«يا ابن رسول الله! هل وفيت بعهدي؟»
في الليلة السابقة، كان قد عاهد إمامه أنه مستعد لأن يُحرق سبعين مرة، ويصير رمادًا، ثم يعود للحياة، ويكرر تضحيته في سبيل إمام زمانه.
ولكن هذه لم تكن إلا المرة الأولى.
ولهذا سأل بقلق:
«مولاي، هل أنت راضٍ عني؟»
فكان جوهر أمنية أصحاب الحسين (عليه السلام) وأعلى مراتبها أن يبقوا أوفياء للعهد الذي قطعوه مع إمامهم.
بشر بن عمرو الحضرمي
في خضم المعركة الشديدة يوم عاشوراء، وصل إلى بشر بن عمرو الحضرمي خبر أسر ابنه المحبوب.
فلما سمع الإمام الحسين (عليه السلام) بذلك، أطلقه فورًا من بيعته وقال له:
«لقد أحللتك من بيعتي.
اذهب وابذل ما تستطيع لتحرير ابنك.»
فأجاب بشر:
«لتأكلني سباع البر حيًا إن تركتك، وأنت قليل الأنصار، ثم صرت أسأل القوافل المارة عن أخبارك!
والله، لن يكون ذلك أبدًا.»
نافع بن هلال
كان نافع بن هلال أحد من كانوا حديثي الزواج في كربلاء.
وقد جاء إلى أرض المعركة برفقة زوجته.
فقال له الإمام:
«يا نافع! إن زوجتك قلقة عليك، وأنا لا أحب أن تفترقا وأنتما في ريعان شبابكما.
إن شئت، فخذ زوجتك وغادر هذه الصحراء.»
فأجاب نافع:
«يا ابن رسول الله الحبيب!
إذا تركتك في ساعة شدتك، وعدت إلى راحتي ولذات الدنيا، فبأي وجه ألقى جدك رسول الله (ص) يوم القيامة؟»
وكان نافع في الليالي يطوف حول الخيام ضمن حرس الإمام.
وهناك أدرك مدى قلق عقيلة بني هاشم، السيدة زينب (عليها السلام)، على وحدة أخيها الحبيب.
ولم يستطع أن يحتمل لحظة واحدة من قلق سيدته، فذهب إلى حبيب بن مظاهر وأخبره بما جرى.
ثم جاء مع جميع الأصحاب، وجثوا أمام سيدتهم، وفي حضور تلك السيدة الجليلة جددوا مرة أخرى عهدهم وبيعتهم لإمامهم.
حبيب بن مظاهر
إن قصة إخلاص حبيب بن مظاهر الجليل لإمام زمانه، الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، قصة لا تُنسى.
فمن بين الأصحاب، قدّم حياته للحسين (عليه السلام) مرتين.
المرة الأولى في طفولته، حين كان مشتاقًا إلى رؤية الوجه المبارك للحسين (عليه السلام).
والمرة الثانية حين بلغ الثمانين من عمره.
وعندما استدعاه إمامه قائلاً:
فَاقْدَمْ إِلَيْنَا عَاجِلًا
«أقبل إلينا مسرعًا.»
فهم حبيب فورًا معنى الرسالة.
وتوجه إلى كربلاء، وفي النهاية سلّم روحه في خدمة مولاه.
فاستحق ذلك الثناء العظيم:
لِلَّهِ دَرُّكَ يَا حَبِيبُ
«جزاك الله خير الجزاء يا حبيب.»
حامل لواء الأصحاب
وخير ختام لذكر مصائب أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) هو ذكر مصيبة حامل لواء أصحابه:
ثُمَّ ادْخُلْ فَانْكَبَّ عَلَى الْقَبْرِ
«ثم ادخل وانكبّ على القبر.»
وبعد أن تعلمنا من أصحاب الحسين معنى الوفاء للإمام، لا يبقى لمن ثبت على الإيمان إلا أن يلقي بنفسه على تراب ذلك المرقد الطاهر—
عند المرقد المبارك للعباس بن أمير المؤمنين (عليه السلام)،
حامل لواء كربلاء،
وسيد وقدوة أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام).
أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِنْ وَلَمْ تَنْكُلْ،
وَأَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ،
مُقْتَدِيًا بِالصَّالِحِينَ،
وَمُتَّبِعًا لِلنَّبِيِّينَ،
فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ
وَبَيْنَ رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ
فِي مَنَازِلِ الْمُخْبِتِينَ،
فَإِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.


تعليقات