top of page
  • 4 أغسطس
  • 6 دقيقة قراءة

الفصل الأول


حين يصبح اسم الأمّ المقدّسة نورًا للهداية

يصرّح مولانا بقيّة الله الأعظم (روحي فداه)، صاحب العصر والزمان، في مقطع من زيارة الناحية المقدّسة، بأنّه يبكي دماً على جدّه الغريب صباحاً ومساءً. فيخاطب جدّه المظلوم، الإمام أبا عبد الله الحسين (ع)، قائلاً:

فَلَأَنْدُبَنَّكَ صَبَاحًا وَمَسَاءً، وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَمًا

«فلأندبنّك صباحاً ومساءً، ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً».

ويقول مولانا الذي يرى في ابنة رسول الله (ص) أسوته وقدوته:

وَفِي ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ لِي أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

«ولي في ابنة رسول الله أسوة حسنة».

فهل يمكن أن يسلك طريقاً غير طريق تلك الأسوة الكاملة؟

وفي هذه السيرة والسنّة التي سار عليها مولانا الغريب، تكون الأم المباركة نفسها قدوة لا نظير لها. فهي الأم التي قالت في وصيتها الأخيرة لأمير المؤمنين (ع):

«يا عليّ! ابكِ ليتاماي، ولا تنسَ من سيُقتل في صحراء العراق…»

وهي الأم التي تقيم في السماوات مجلس عزاء لولدها الحبيب أبي عبد الله الحسين (ع).

وهي التي تأذن لأهل السماوات والأرض بإحياء عزاء أبي عبد الله الحسين (ع). ففي عشية الليلة الأولى من محرّم، حين يُظهر قميص ولدها الحسين (ع) الملطّخ بالدم، يستقرّ حزن جديد في كل قلب.

وتنتشر نار النحيب والبكاء في جميع العوالم، ويملأ الأسى قلوب شيعته وأتباعه.

عزاء السيدة الزهراء (ع)

وَفَجَعَتْ بِكَ أُمُّكَ الزَّهْرَاءُ

«وفُجعت بك أمّك الزهراء».

— مقطع من زيارة الناحية المقدّسة

قال الإمام الصادق (ع) في زوّار الإمام الحسين (ع):

«…لو يعلم الزائرون ما في زيارته من الخير العظيم، لاقتتلوا بالسيوف من أجل الوصول إلى قبره، ولباعوا جميع أموالهم ليأتوا إلى زيارته.

وحين تنظر إليهم السيدة فاطمة (ع)، يكون معها ألف نبي، وألف صدّيق، وألف شهيد، وألف ألف من الملائكة المقرّبين، يعينونها جميعاً على البكاء.

فتبكي وتندب بشدّة حتى تبدأ ملائكة السماوات أنفسهم بالبكاء والنحيب لبكائها، ولا تزال كذلك حتى يأتيها رسول الله (ص) ويقول لها:

يا بنيّتي العزيزة! لقد أبكيتِ ملائكة السماوات وأشغلتِهم عن تسبيح الله وتقديسه. فاهدئي الآن، ودعي الملائكة يعودون إلى عبادتهم، فإن قضاء الله نافذ لا محالة، وحكمه الإلهي لا يتبدّل…»

لقد علّمنا إمام الزمان، الذي نجدّد معه عهد البيعة كل صباح ومساء، أنّنا وإن لم نُرزق فرصة القتال ضدّ قتلة أبي عبد الله الحسين (ع)، ولم نُوفّق للوقوف إلى جانب الحسين (ع) يوم عاشوراء، فإنّنا بفضل رحمة الأم المباركة وعنايتها، حين نقيم مجالس العزاء والبكاء على أبي عبد الله الحسين (ع)، فكأنّنا في صحبة إمامنا وننصر بذلك إمامنا المظلوم.

ونحن نستأذن أمّنا أن تقبل وتُقرّ هذا اللون المتواضع من نصرة مولانا، ونسألها أن ترزقنا دموعاً تولد من حمل حقائق كربلاء والمعرفة العميقة بحقيقتها.

فإنّ عناية الأم وحدها هي التي تستطيع أن تجعل هذه النصرة والإعانة حقيقة واقعة لنا.

وكما أشرق نور وجودها المبارك يوماً على قلب الحرّ، فرفعه في طرفة عين إلى أعلى مراتب السماء، فإنّنا اليوم أيضاً، ونحن نتحسّر على فرصة التضحية بأرواحنا لأبي عبد الله الحسين (ع)، نُسكّن احتراق قلوبنا بالدموع والنحيب.

يا أمّاه!

روحي فداء لقلبك الجريح!

إنّ نظرة واحدة من رحمتك، وإذناً واحداً منك، يكفيان لحلّ عقد أمورنا وتحويلنا إلى حرّ.

مولاتي، أغيثيني.

يا سيدتي، أدركيني.

زهد الإمام الحسين (ع) في الدنيا

يصف حضرة بقيّة الله الأعظم (روحي فداه)، في زيارة الناحية المقدّسة، سيرة جدّه الغريب الإمام أبي عبد الله الحسين (ع)، فيقول:

«…كنتَ للدنيا زاهداً، وعنها راحلاً.

تنظر إليها بعين المستوحش منها والمبغض لها.

قطعتَ أملك منها، وصرفتَ همّتك العالية عن زخارفها وزينتها.

وأعرضتَ ببصرك عن لذّاتها وشهواتها.

وكان شوقك ورغبتك في الآخرة معروفين مشهورين،

حتى بسط الجور يده عاتياً،

وأسفر الظلم عن وجهه،

ودعا الغيّ أتباعه إليه…»

وقد بيّن الإمام أبو عبد الله الحسين (ع)، في خطبة ألقاها أمام جيش الحرّ، حقيقة الظلم الذي أشار إليه حضرة بقيّة الله الأعظم (روحي فداه) في هذا المقطع، فقال:

«أيها الناس! إنّ رسول الله (ص) قال:

من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله (ص)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله.

ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن.

وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء.

وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيري بالقيام لإعادة دين الله إلى مجراه الصحيح.

وقد أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم، وأنّكم لا تسلّمونني إلى أعدائي ولا تخذلونني.

فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم سبيل الرشد والصلاح.

أنا الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله (ص).

نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم.

ولكم فيّ أسوة.

وإن لم تفعلوا، ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي، فلعمري ما هي منكم بنكر.

فلقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم (ع).

والمغرور من اغترّ بكم.

فقد خسرتم حظّكم وضيّعتم نصيبكم.

ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم.

والسلام».

بهذه الخطبة كشف الإمام حقيقة الظلم الذي أسفر عن وجهه ووضّحها. وفتح أمام الجنود نوافذ من النور، داعياً إياهم إلى الإصلاح، وحاثّاً لهم على ترك الفساد الذي كانوا يعيشون في ظلّه مطمئنين.

إتمام الحجّة الإلهية

وفي مقطع آخر من زيارة الناحية المقدّسة، يخاطب إمام الزمان (ع) الإمام الحسين (ع) قائلاً:

«…وعند ذلك أوجب عليك علمك أن تنكر عليهم وتعارضهم، وألزمك أن تنهض في وجه الفاسقين والفجّار.

فسرتَ بأولادك وأهل بيتك وشيعتك وخواصّ أتباعك.

وأظهرتَ الحقّ والحجّة والبرهان الواضح.

ودعوتَ إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وأمرتَ بإقامة حدود الله وطاعة الربّ المتعال، ونهيتَ عن الفساد والطغيان.

فواجهوك بالظلم والعدوان، وبعد أن أرشدتهم وأتممتَ الحجّة عليهم قاتلتهم…»

وبعد أن أُقيمت كل الحجج، وهي حجج جرت على لسان حسين فاطمة (ع)، أضاء شعاع نور فاطمة قلب الحرّ.

فصاح في نفسه:

«يا حرّ! ماذا تفعل؟»

ظلّ الحرّ حائراً مضطرباً فوق فرسه بين جيش ابن سعد — لعنة الله عليه — ينظر يميناً وشمالاً، وقد اضطرب فكره وهاج قلبه.

لماذا كان على هذا القدر من القلق والاضطراب؟ حتى هو نفسه لم يكن يدري.

«لماذا جئت إلى كربلاء؟ وأين تقف الآن يا حرّ؟ لقد حانت ساعة القتال. وضدّ مَن؟ ضدّ عدوّ الخليفة، الحسين بن علي (ع)، ابن فاطمة؟ لا تخدع نفسك يا حرّ! لقد كنت تعرف هذا منذ البداية».

«نعم، لكنني لم أتصوّر قط أنّ الأمر سينتهي إلى الحرب وإراقة الدماء».

«أنت مأمور، وأمر قائد المسلمين واجب التنفيذ».

«اصمتي يا نفسي!»

«تمهّل يا حرّ! أنت القائد، وأنت أول من سدّ طريقه. فلا تتراجع الآن. تقدّم خطوة أخرى، وخذ نصيبك من متاع الدنيا!»

«أهلكك الله! ما أمهرَك في نصب شِباك المعصية ونثر بذور الفتنة يا نفس!»

«أتريدينني أن أرفع سيفي في وجه ابن رسول الله (ص)؟»

«ويلك! ماذا سأجيب يوم القيامة حبيبَ رسول الله وسبطه؟ وماذا سأقول لعليّ المرتضى (ع)؟

لتُقطع يداي قبل أن تتلطّخا بالدم الطاهر لهذا الشريف الوحيد المظلوم».

الصراع الداخلي للحرّ

«ماذا رأيت فيه؟»

النبل الحقيقي، والشرف والكرامة، والزهد والتقوى والخشية من الله.

«وماذا يملك من الدنيا؟»

«لا شيء من الدنيا، ولكنّه يملك الدين كلّه! لقد باع الدنيا بدينه؛ إنّه ليس من رجال الدنيا».

«أتذكر حين خرجت من قصر عبيد الله — لعنة الله عليه — في الكوفة لاعتراض الحسين (ع) ومنع قافلته؟ لقد سمعت عند خروجك صوتاً من خلفك ينادي:

يا حرّ! أبشر بالخير!»

«نعم، والله لقد سمعته كذلك تماماً، وكأنّه صوت سماوي جاء من عالم الغيب».

«فلماذا ما زلت متردداً؟ وكيف تفهم اليوم تلك البشارة؟»

«وهذا هو بعينه ما حيّرني؛ فلا أستطيع أن أوفّق بين وعد ذلك اليوم وحقيقة هذا اليوم!»

«وأيّ خير يمكن أن يكون في قتال الحسين (ع)؟»

«الويل لي! أيّ بشارة كانت تلك؟ لا، أبداً! لن أكون ممّن يجرح قلب رسول الله (ص).

ولا يمكن أن تكون نجاتي في سفك دم ابن فاطمة الحبيب (ع). والله إنّ الحسين (ع) لا يقول إلا الحق، ولا يطلب إلا الحق».

وكأنّ ذلك قد وقع بالأمس فقط.

كان اليوم السابع والعشرين من شهر ذي الحجّة.

وفي ذي حُسَم، وهو أحد المنازل الواقعة على الطريق بين مكة والكوفة، أدركنا قافلة الحسين (ع) الصغيرة، وكنت أقود ألف فارس مسلّح.

كان الوقت قريباً من الظهر. وقد أنهكنا التعب وأحرقنا العطش، ولم تبقَ في قرب الماء قطرة واحدة.

فخرج الحسين (ع) وأصحابه لاستقبالنا.

وبكرم ونبل، قرّبوا قرب الماء من شفاهنا اليابسة. ثم أحضروا بلطف أحواضاً كبيرة من الماء لخيولنا المنهكة، وصبّوا الماء على أعناقها وأعرافها.

فوقفت أنا وجنودي خجلين أمام هذا الفيض من الإحسان.

ماذا كان يمكننا أن نقول؟ وماذا كان يمكننا أن نفعل؟

وحين حان وقت صلاة الظهر، وقفنا جميعاً خلفه وصلّينا بإمامته. وبعد التسليم، وفي هدوء وخضوع، أصغينا بقلوبنا إلى كلماته؛ كلماتٍ مملوءة بالعطف والرحمة.

الكلمات التي بقيت في قلب الحرّ

عاتبنا، لكننا لم نعبأ.

وحتى حين أمر الإمامُ عقبةَ بن سمعان فأفرغ أمامنا خرجاً مملوءاً برسائل الدعوة التي بعثها أهل الكوفة ناكثو العهد، أغمضنا أعيننا ورفضنا أن نرى.

ما أشقاني!

وكيف كنت أعلم أنّ الأمور ستبلغ هذا الحد؟ قلت للإمام:

«لم أُؤمر بقتالك، وإنما أُرسلت لأمنعك من التوجّه إلى الكوفة. وأما الرجوع إلى المدينة، فذلك أيضاً غير مأذون لك».

نظر الإمام إليّ، فخفضت رأسي خجلاً.

همس قلبي برفق:

«ما أقبح هذا!»

لكن صوتاً آخر في داخلي قال:

«ما أجرأك!»

ورفعت رأسي بوقاحة وقلت:

«إن سللت سيفك فستُقتل حتماً!»

فوبّخني الإمام، وقد امتلأ وجهه بالغضب للحق، قائلاً:

«ثكلتك أمّك! أبالموت تخوّفني؟ وهل تعدون على قتلي؟»

فأجبته:

«لولا أنّ أمّك ابنة رسول الله (ص) المحبوبة، لرددت عليك بمثل ما قلت».

وللدخول إلى خُمّارة الحسين (ع)، لا بدّ أولاً من استئذان سيدة نساء العالمين، الأم المباركة.

لقد كان هذا الحبّ والتعظيم نفسه لابنة رسول الله (ص) هو الذي استمال قلب الحرّ وأدخله تحت شفاعة الحسين (ع)، حتى عُدّ الحرّ من أصحاب الإمام الحسين (ع) وصار من أهل كربلاء.

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تعليقات


bottom of page